يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
527
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
رحمه اللّه قال : وفدت سودة بنت عمارة بن أسد الهمدانية على معاوية ، فاستأذنت عليه فأذن لها ، فلما دخلت عليه سلمت . فقال لها : كيف أنت يا ابنة الأسد ؟ . قالت بخير يا أمير المؤمنين . قال لها : أنت القائلة لأخيك : شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة * يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليا والحسين ورهطه * واقصد لهند وابنها بهوان إن الإمام أخا النبي محمد * علم الهدى ومنارة الإيمان فقد الجيوش وسر أمام لوائه * قدما بأبيض صارم وسنان قالت : يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي . قال : هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى . قالت : صدقت واللّه يا أمير المؤمنين ما كان خفي المكان ولا ذليل المقام ولكن كما قالت الخنساء : وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار وباللّه أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيته منه . قال : قد فعلت . ثم قال : ما حاجتك ؟ . قالت : يا أمير المؤمنين إنك أصبحت للناس سندا ، ولأمورهم متقلدا ، واللّه سائلك عما افترض عليك من حقنا ، ولا تزال تقدم علينا من هو بعزك ، وببطش سلطانك يحصدنا حصاد السنبل ويدرسنا دراس البقر ، ويسومنا الخسيسة ويشغلنا الجلبة . هذا ابن أرطاة قدم بلادي ، فقتل رجالي وأخذ أموالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإما عزلته فشكرناك ، وإما لا فعرفناك . فقال : إياي تهددين بقومك ، واللّه لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس فينفذ حكمه فيك . فسكتت ، ثم قالت : صلى الإله على روح تضمنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والإيمان مقرونا قال : ومن ذاك ؟ . قالت : عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه . قال : ما أرى عليك منه أثرا . قالت : بل أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا ، فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين ، فوجدته قائما يصلي ، فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة وتعطف : ألك حاجة ؟ . فأخبرته خبر الرجل . فبكى ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقك ، ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها : بسم اللّه الرحمن الرحيم : قد جائتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقية اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ ، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك . والسلام . فعزله واللّه يا أمير المؤمنين ما خزمه بخزام ولا ختمه بطين . فقال معاوية :